ابن عربي

521

الفتوحات المكية

ومنهم من أوجدته بيدك ومنهم من أوجدته بيديك ومنهم من أوجدته ابتداء ومنهم من أوجدته عن خلق آخر فتنوع وجود الخلق وإحياء الخلق بعد الموت إنما هو وجود آخر في الآخرة فقد يتنوع وقد يتوحد فطلبت العلم بكيفية الأمر هل هو متنوع أو واحد فإن كان واحدا فأي واحد هو من هذه الأنواع فإذا أعلمتني به اطمأن قلبي وسكن بحصول ذلك الوجه والزيادة من العلم مما أمرت بها قال تعالى آمرا وقل رب زدني علما فأحاله على الكيفية بالطيور الأربعة التي هي مثال الطبائع الأربع إخبارا بأن وجود الآخرة طبيعي يعني حشر الأجساد الطبيعية إذ كان ثم من يقول لا تحشر الأجسام وإنما تحشر النفوس بالموت إلى النفس الكلية مجردة عن الهياكل الطبيعية فأخبر الله إبراهيم أن الأمر ليس كما زعم هؤلاء فأحاله على أمر موجود عنده تصرف فيه أعلاما أن الطبائع لو لم تكن مشهودة معلومة مميزة عند الله لم تتميز فما أوجد العالم الطبيعي إلا من شئ معلوم عنده مشهود له نافذ التصرف فيه فجمع بعضها إلى بعض فأظهر الجسم على هذا الشكل الخاص فأبان لإبراهيم بإحالته على الأطيار الأربعة وجود الأمر الذي فعله الحق في إيجاد الأجسام الطبيعية والعنصرية إذ ما ثم جسم إلا طبيعي أو عنصري فأجسام النشأة الآخرة في حق السعداء طبيعية وأجسام أهل النار عنصرية لا تفتح لهم أبواب السماء فلو فتحت خرجوا عن العناصر بالترقي وأما حشر الأرواح التي يريد أن يعقلها إبراهيم من هذه الدلالة التي أحاله الحق عليها في الطيور الأربعة فهي في الإلهيات كون العالم يفتقر في ظهوره إلى إله قادر على إيجاده عالم بتفاصيل أمره مريد إظهار عينه حي لثبوت هذه النسب التي لا تكون إلا لحي فهذه أربعة لا بد في الإلهيات منها فإن العالم لا يظهر إلا ممن له هذه الأربعة فهذه دلالة الطيور له عليه السلام في الإلهيات في العقول والأرواح وما ليس بجسم طبيعي كما هي دلالة على تربيع الطبيعة لإيجاد الأجسام الطبيعية والعنصرية ثم قوله فصرهن أي ضمهن والضم جمع عن تفرقة وبضم بعضها إلى بعض ظهرت الأجسام ثم اجعل على كل جبل وهو ما ذكرناه من الصفات الأربع الإلهيات وهي أجبل لشموخها وثبوتها فإن الجبال أوتاد ثم أدعهن يأتينك سعيا ولا يدعى إلا من يسمع وله عين ثابتة فأقام له الدعاء بها مقام قوله كن في قوله إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون فزاد يقينه طمأنينة بعلمه بالوجه الخاص من الوجوه الإمكانية ومن الزوائد واتقوا الله ويعلمكم الله فتزيد علما لم يكن عندك بعلمك إياه الحق تعالى تشريفا منحك إياه التقوى فمن جعل الله وقاية حجبه الله عن رؤية الأسباب بنفسه فرأى الأشياء تصدر من الله وقد كان هذا العلم مغيبا عنك فأعطاك العلم به زيادة الايمان بالغيب الذي لو عرض على أغلب العقول لردته ببراهينها فهذه فائدة هذا الحال ومن الزوائد أن تعلم أن حكم الأعيان ليس نفس الأعيان وأن ظهور هذا الحكم في وجود الحق وينسب إلى العبد بنسبة صحيحة وينسب إلى الحق بنسبة صحيحة فزاد الحق من حيث الحكم حكما لم يكن عليه وزاد العين إضافة وجود إليه لم تكن يتصف به أزلا فانظر ما أعجب حكم الزوائد ولهذا عمت الفريقين فزادت السعيد إيمانا وزادت الشقي رجسا ومرضا والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ( الباب السادس والعشرون ومائتان في معرفة الإرادة ) الإرادة عند القوم لوعة يجدها المريد من أهل هذه الطريقة تحول بينه وبين ما كان عليه مما يحجبه عن مقصوده لوعة في القلب محرقة * هي بدء الأمر لو علموا فلهذا حن صاحبها * للذي عنه العباد عموا فإذا يبدو لناظره * يعتريه البهت والصمم فتراه دائما أبدا * بلهيب النار يصطلم كل شئ عنده حسن * وبهذا كلهم حكموا والإرادة عند أبي يزيد البسطامي ترك الإرادة وذلك قوله أريد أن لا أريد فأراد محو الإرادة من نفسه وقال هذا القول في حال قيام الإرادة به ثم تمم وقال لأني أنا المراد وأنت المريد يخاطب الحق وذلك أنه لما علم إن الإرادة متعلقها العدم والمراد لا بد أن يكون معدوما لا وجود له ورأى أن الممكن عدم وإن اتصف بالوجود لذلك قال أنا المراد أي أنا المعدوم